فخر الدين الرازي

150

تفسير الرازي

التي يتجلى فيها قدس الملكوت ويظهر فيها جلال اللاهوت ورئيس هذه المعارف والجلاء ، معرفة توحيد الله بحسب ذاته وصفاته وأفعاله . والشعبة الثانية ؛ القوة العملية وسعادتها في أن تصير موصوفة بالأخلاق الفاضلة التي تصير مبادي لصدور الأفعال الكاملة عنها ، ورئيس سعادات هذه القوة طاعة الله وخدمته . إذا عرفت هذا فنقول : قوله : * ( وليعلموا أنما هو إله واحد ) * إشارة إلى ما يجري مجرى الرئيس لكمال حال القوة النظرية وقوله : * ( وليذكر أولو الألباب ) * إشارة إلى ما يجري مجرى الرئيس لكمال حال القوة العملية فإن الفائدة في هذا التذكر ، إنما هو الإعراض عن الأعمال الباطلة والإقبال على الأعمال الصالحة ، وهذه الخاتمة كالدليل القاطع في أنه لا سعادة للإنسان إلا من هاتين الجهتين . المسألة الثانية : هذه الآيات مشعرة بأن التذكير بهذه المواعظ والنصائح يوجب الوقوف على التوحيد والإقبال على العمل الصالح ، والوجه فيه أن المرء إذا سمع هذه التخويفات والتحذيرات عظم خوفه واشتغل بالنظر والتأمل ، فوصل إلى معرفة التوحيد والنبوة واشتغل بالأعمال الصالحة . المسألة الثالثة : قال القاضي : أول هذه السورة وآخرها يدل على أن العبد مستقل بفعله ، إن شاء أطاع وإن شاء عصى ، أما أول هذه السورة فهو قوله تعالى : * ( لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ) * ( إبراهيم : 1 ) فإنا قد ذكرنا هناك أن هذا يدل على أن المقصود من إنزال الكتاب إرشاد الخلق كلهم إلى الدين والتقوى ومنعهم عن الكفر والمعصية ، وأما آخر السورة فلأن قوله : * ( وليذكر أولو الألباب ) * يدل على أنه تعالى إنما أنزل هذه السورة ، وإنما ذكر هذه النصائح والمواعظ لأجل أن ينتفع الخلق بها فيصيروا مؤمنين مطيعين ويتركوا الكفر والمعصية ، فظهر أن أول هذه السورة وآخرها متطابقان في إفادة هذا المعنى . واعلم أن الجواب المستقصى عنه مذكور في أول السورة فلا فائدة في الإعادة . المسألة الرابعة : هذه الآية دالة على أنه لا فضيلة للإنسان ولا منقبة له إلا بسبب عقله ، لأنه تعالى بين أنه إنما أنزل هذه الكتب ، وإنما بعث الرسل لتذكير أولى الألباب ، فلولا الشرف العظيم والمرتبة العالية لأولى الألباب لما كان الأمر كذلك .